


جاءت إشادة وزير المالية والاقتصاد الوطني الدكتور جبريل إبراهيم بالأداء العام لقوات الجمارك السودانية، لتؤكد حقيقة راسخة يدركها الخبراء والمراقبون، وهي أن الدور المتعاظم لهذه المؤسسة قد تجاوز المفهوم التقليدي للتحصيل، ليصبح شريكاً أصيلاً في رسم السياسات الاقتصادية وحماية الأمن القومي وتسهيل حركة التجارة.
هذه الإشادة لم تكن مجاملة بروتوكولية، بل شهادة حق لمؤسسة ظلت تمثل العمود الفقري لاقتصاد الدولة، واستطاعت بفضل قيادتها الرشيدة أن تحافظ على أدائها وتطوره في وقت تراجعت فيه أداءات العديد من المؤسسات الأخرى تحت وطأة التحديات التي تمر بها البلاد.
إن الحديث عن هذه الإنجازات لا يكتمل دون التوقف عند القيادة التي تقف وراءها. فالمدير العام لقوات الجمارك الفريق شرطة صلاح أحمد إبراهيم يمثل نموذجاً للقيادة المؤسسية التي تجمع بين الحزم والانضباط والاهتمام بالإنسان. فمنذ توليه المسؤولية، تعامل مع الجمارك كمشروع وطني متكامل، واضعاً نصب عينيه تطوير المؤسسة ككيان، والاهتمام بمنسوبيها كقيمة إنسانية ومهنية.
وقد بذل الفريق صلاح ومساعدوه من قادة الإدارات والوحدات جهوداً جبارة في إعادة هيكلة العمل وتحديث الإجراءات وتبسيط المعاملات. وفي الوقت نفسه، بذلوا قصارى جهدهم للاهتمام بمنسوبي الجمارك من ضباط وضباط صف وجنود وموظفين مدنيين، عبر تحسين بيئة العمل وتوفير التدريب والتأهيل المستمر، مما خلق روحاً معنوية عالية وجعل من الجمارك أسرة واحدة متماسكة تعمل لهدف واحد.
وتلك الروح الجماعية هي السر الحقيقي للنجاح. فجميع منسوبي قوات الجمارك ظلوا يعملون بروح الفريق الواحد من أجل المحافظة على المكتسبات الوطنية. هذا التماسك هو ما مكن الجمارك من العمل في أصعب الظروف، في الموانئ والمطارات والمعابر الحدودية النائية، بكل انضباط والتزام وإخلاص، رغم قلة الإمكانيات وتعقيدات الواقع.
ويخطئ من يظن أن دور الجمارك يقتصر على تحصيل الرسوم. ففي الاقتصاد الحديث أصبحت لاعباً محورياً في ملفات استراتيجية كبرى. ففي ظل تراجع الإيرادات الأخرى، أصبحت الإيرادات الجمركية هي المورد الأكثر استقراراً لخزينة الدولة. وقد نجحت قوات الجمارك في تعزيز هذه الإيرادات ليس بزيادة الرسوم وإثقال كاهل المواطن، بل بتوسيع المظلة الجمركية ومكافحة التهرب وضبط التهريب، وهو ما مكن وزارة المالية من الوفاء بالتزاماتها تجاه المرتبات وتسيير دولاب الدولة ودعم الخدمات الأساسية.
كما تقوم الجمارك بدورها كخط دفاع أول عن الاقتصاد الوطني، فهي تحمي السوق من السلع الفاسدة والمغشوشة والمخالفة للمواصفات، وتمنع إغراق السوق بما يدمر الصناعة الوطنية، وتقف بالمرصاد لتهريب الذهب والعملة والمخدرات والأسلحة، وكل ضبطية تعلن عنها هي حماية للاقتصاد من النزيف وحماية للمجتمع من المخاطر الأمنية والصحية.
وفي تحول مفاهيمي كبير قادته القيادة الحالية، أصبح تسهيل التجارة المشروعة جزءاً أصيلاً من الواجب الجمركي. فكلما كانت الإجراءات سريعة وشفافة، انخفضت تكلفة الاستيراد والتصدير وانتعشت حركة التجارة. ومن أجل ذلك وضعت الجمارك السودانية العديد من الخطط الطموحة لتطوير العمل، عبر التحول الرقمي وربط المنافذ وتطبيق نظام النافذة الواحدة وتقليل زمن الإفراج الجمركي، وهو ما ينعكس إيجاباً على المستهلك النهائي وعلى تنافسية الاقتصاد السوداني وقدرته على جذب الاستثمارات.
ولم تركن الجمارك إلى إنجازاتها، بل وضعت خططاً مستقبلية لرفع الكفاءات الجمركية، عبر تأهيل الكوادر وابتعاثها ومواكبة أحدث النظم العالمية، إيماناً بأن الاستثمار في العنصر البشري هو أفضل أنواع الاستثمار. فالجمارك اليوم تحتاج إلى رجل جمارك يفهم الاقتصاد ويستوعب التجارة الدولية ويتعامل مع التقنية باحترافية، وهذا ما تعمل عليه الإدارة الحالية بلا كلل من خلال الدورات المتقدمة وورش العمل التخصصية.
إن الناظر إلى المشهد الاقتصادي السوداني يدرك حجم التحديات التي تحيط به. فهناك تحديات تتمثل في تهريب الموارد، وهناك تحديات تتمثل في ضعف البنية التحتية، وهناك تحديات تتمثل في الحاجة الماسة لزيادة الإنتاج. وفي قلب كل هذه التحديات تقف قوات الجمارك، تؤدي واجبها بصمت وكفاءة. فعندما يتم ضبط شحنة ذهب مهرب في المطارات أو المعابر، فإن هذا يعني أن مليارات الجنيهات قد عادت إلى خزينة الدولة. وعندما يتم ضبط حاويات من السلع منتهية الصلاحية، فإن هذا يعني أن صحة آلاف المواطنين قد تمت حمايتها من كارثة محققة.
إن ما يقوم به الفريق صلاح أحمد إبراهيم ومساعدوه ومنسوبو الجمارك من جهد لدعم موارد الدولة وتعزيز الإيرادات والإسهام في جهود التعافي الاقتصادي هو دور وطني خالص. فالتعافي لا يتحقق بالشعارات والخطب، بل بضبط تهريب الذهب والحفاظ على ثروة قومية، وتسهيل استيراد مدخلات الإنتاج لإعادة تشغيل المصانع المتوقفة، وحماية المنتج المحلي للحفاظ على وظائف آلاف العمال السودانيين الذين يعولون أسرهم.
ومن المهم الإشارة إلى أن جهود الجمارك في تعزيز الإيرادات العامة لم تكن على حساب المواطن البسيط، بل كانت عبر محاربة الفساد والتهرب الذي يمارسه بعض ضعاف النفوس من كبار المهربين. فالعدالة الجمركية التي أرساها الفريق صلاح تقوم على مبدأ أن يدفع الجميع حق الدولة دون استثناء، وأن يعامل صغار التجار والمستوردين بكل احترام وتقدير، لأنهم شركاء حقيقيون في التنمية وليسوا خصوماً.
كما أن الجمارك السودانية ظلت حريصة على مواكبة المعايير الدولية، فهي عضو فاعل ونشط في منظمة الجمارك العالمية، وتسعى باستمرار للاستفادة من التجارب العالمية الناجحة. وقد انعكس ذلك في تطوير التشريعات الجمركية وتبسيطها، وفي اعتماد أفضل الممارسات في مجال إدارة المخاطر والانتقائية والتفتيش الذكي، مما قلل من التدخل البشري وقلل من فرص الفساد ورفع من مستوى الشفافية.
ولا يمكن إغفال البعد الاجتماعي والإنساني لعمل الجمارك. فمنسوبو الجمارك هم أبناء هذا الشعب، يعيشون بينه ويشعرون بمعاناته وآماله. ولذلك فإن قيادة الجمارك أولت اهتماماً كبيراً بالجانب الاجتماعي لمنسوبيها، من خلال توفير الرعاية الصحية والاجتماعية وتحسين أوضاعهم المعيشية والسكنية، إيماناً منها بأن رجل الجمارك إذا كان مطمئناً على أسرته ومستقبله، فإنه سيؤدي واجبه بكل أمانة وإخلاص وتجرد.
لقد أثبتت التجربة أن المؤسسات التي تهتم بإنسانها هي المؤسسات التي تنجح وتستمر وتخلد. وقد نجحت قوات الجمارك في بناء ولاء مؤسسي قل نظيره، حيث يشعر كل فرد فيها بأنه جزء من كيان كبير يحميه ويقدره ويدافع عنه. وهذا الولاء هو الذي يجعل رجل الجمارك يرفض الرشوة مهما كانت مغرية، ويقف في وجه الإغراءات، ويعمل لساعات طويلة في ظروف صعبة دون تذمر أو شكوى.
إن المرحلة المقبلة تتطلب المزيد من العمل والتكاتف والتكامل بين كافة مؤسسات الدولة. فالسودان مقبل على مرحلة إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي الشامل، وهذا يتطلب جمارك قوية وحديثة ومتطورة، قادرة على استيعاب حجم التجارة المتوقع، وقادرة على حماية الاقتصاد من أي محاولات للتخريب أو الاستنزاف. والثقة كبيرة في أن قوات الجمارك، بما تمتلكه من قيادة حكيمة وكوادر مؤهلة وخطط مدروسة، ستكون على قدر التحدي وستتجاوزه.
إن إشادة وزير المالية والاقتصاد الوطني هي وسام شرف على صدر كل جمركي، من المدير العام إلى أحدث جندي في الخدمة. وهي إشادة تعني أن الدولة بكل أجهزتها تقدر جهودكم وتثمن عطاءكم وتعتبركم شركاء في بناء المستقبل. وهي في الوقت نفسه مسؤولية إضافية وأمانة ثقيلة تدعو إلى مضاعفة الجهد والاستمرار في طريق التطوير والتحديث وعدم الركون للراحة.
لذلك فإن هذه الإشادة هي إشادة بمنهج عمل وفلسفة إدارة وروح وطنية عالية، وستكون بلا شك دافعاً وحافزاً لبذل المزيد من العطاء خلال المرحلة المقبلة التي ستشهد بإذن الله تحقيق قوات الجمارك السودانية للمزيد من الإنجازات النوعية التي ستسجل في سجل الوطن بأحرف من نور.
لقد أثبتت قوات الجمارك السودانية اليوم أنها إحدى أكثر المؤسسات انضباطاً وكفاءة ونزاهة، وهي تحقق المزيد من الإنجازات وتستعد لتحقيق المزيد لأنها تمتلك الرؤية الواضحة والإرادة القوية والرجال الأوفياء، ولأنها تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار وفوق كل مصلحة شخصية ضيقة.
وفي الختام، لا بد من التأكيد على أن دعم قوات الجمارك وتطويرها وتحديثها هو دعم مباشر للاقتصاد الوطني كله. فكلما قويت الجمارك، قوي الاقتصاد، وانتعشت التجارة، وزادت موارد الدولة، وتحسن ميزان المدفوعات، واستقر سعر الصرف، وانخفض التضخم. وهذا هو الطريق الصحيح والوحيد نحو سودان مستقر ومزدهر وآمن، يجد فيه كل مواطن فرصته في العيش الكريم.
إن الجمارك كانت وستظل هي صمام أمان الاقتصاد، والعين الساهرة على ثغور الوطن الاقتصادية. وما تحقق من إنجازات حتى الآن هو مجرد بداية لمسيرة طويلة من العطاء، مسيرة يقودها رجال صدقوا ما عاهدوا الله والوطن عليه.
حفظ الله السودان وحفظ قوات جماركه الباسلة، وجعلها دائماً سداً منيعاً في وجه كل من يريد النيل من مقدرات هذا الوطن العزيز، ووفق القائمين عليها للمزيد من النجاح والتوفيق



